كيف يشكل الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد مستقبلنا؟
![]() |
| الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد |
كتبت: ريم خالد
تتجه أنظار العالم اليوم نحو ثورة الذكاء
الاصطناعي في الاقتصاد الذي أصبح قادر على تغيره. لكن خلف هذا التطور التكنولوجي
الواعد، يبرز بيان خطير من بنك إنجلترا محذراً أن هذا النمو المتسارع قد يقود
الاقتصاد العالمي نحو نهاية مماثلة لما آلت إليه فقاعة الدوت كوم.
درس التسعينات: فقاعة الدوت كوم
في أواخر التسعينات، ظهر الإنترنت وغير
العالم للأبد. بظهور هذه التكنولوجيا الواعدة على الساحة اشتعل حماس المستثمرين،
فصاروا يحرقون أموالا طائلة على أسهم كل شركة تحمل كلمة
.com، حتى وإن كانت بدون خطط واضحة
لتحقيق الإيرادات.
أدت تلك المضاربة المتهورة إلى تضخم أسعار
أسهم التكنولوجيا في السوق، وفي غضون أسابيع انفجرت الفقاعة، أعلنت العديد من
الشركات إفلاسها وانهار الحلم، بعد أن لقّن الجميع درسًا لا يُنسى في الاقتصاد،
مخلفاً خسائر تزيد عن 5 تريليونات دولار، وفقًا لتقريرين صادرين عن شركة
"غولدمان ساكس" ومكتب الإحصاءات الأميركي في عام 2004. تجلى الفرق
واضحًا بين ما يمكن تحقيقه في الأحلام فقط، وما يمكن تنفيذه على أرض الواقع. فعرفت
تلك الحادثة التاريخية منذ ذلك الحين بفقاعة الدوت كوم أو فقاعة الإنترنت.
فقاعة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد: السيناريو المكرر
اليوم، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، يشهد
العالم سيناريو مماثلًا. اندفع المستثمرون بحماس لتمويل شركات الذكاء الاصطناعي في
الاقتصاد، ما أدى إلى ارتفاع تقييماتها بشكل يفوق كثيرًا قدراتها الفعلية على
تحقيق الأرباح. ويُقصد بفقاعة الذكاء الاصطناعي هنا: الحالة التي تتضخم فيها
التوقعات حول التكنولوجيا بحيث تتجاوز الواقع الفعلي، فتتشكل حالة من الحماس
المفرط والاستثمار المبالغ فيه، تشبه ما حدث مع فقاعة الإنترنت في التسعينيات.
التحذيرات والتقييمات السوقية
يصف بعض الخبراء هذا الوضع بأنه «فقاعة»، إذ
أن التقييمات السوقية الضخمة لا تعكس دائمًا قيمة حقيقية أو مستدامة، ويُخشى من
انفجارها إذا لم تتحقق النتائج المرجوة. كما يثير هذا الأمر تساؤلاً حول إمكانية
استمرار الاندفاع المالي والتكنولوجي بنفس الوتيرة، وما إذا كانت الاستثمارات
الضخمة ستؤدي إلى ابتكارات فعلية أم ستتلاشى كما حدث في السابق؛ وذلك ما سببه دخولالذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي.
في هذا المقال، نستعرض طبيعة فقاعة الذكاء
الاصطناعي في الاقتصاد وأسباب نشوؤها، ونناقش المخاطر المحتملة والتبعات
الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفقاعة، كما نبحث وجهات النظر حول مستقبل هذه
التكنولوجيا رغم التحديات الراهنة.
كيف تكونت فقاعة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد؟
تشكلت فقاعة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد نتيجة لتضافر عدة عوامل مختلفة، والتي أنتجت بيئة استثمارية غير متوازنة تتسم بالحماس المفرط. اليوم، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي، ومنذ نهاية عام 2022، طفرة استثمارية مشابهة لشركات الدوت كوم. تلقت الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي استثمارات بقيمة 75 مليار دولار في عام 2023 فقط، وفقا لتقرير صادر عن بيتش بوك "Pitchbook" عام 2024. وبحسب تقرير نشرته "هارفرد بزنس ريفيو" و "بلومبرغ" هناك عدة إشارات مقلقة:
- إن القيمة السوقية لبعض الشركات تفوق أرباحها الفعلية بأضعاف.
- يضخم الحماس الإعلامي والتسويق المكثف التوقعات، فقد ارتفع عدد الشركات التي تضيف "AI" إلى اسمها لجذب الاستثمارات، كما أن تركيز المستثمرين على "الوعد التكنولوجي" أكثر من النماذج الربحية، ومضاعفة تقييمات الشركات دون مبرر مالي واضح، زاد من الاندفاع الجماعي نحو الاستثمار.
- هناك نقص في الشفافية حول كيفية تحقيق الأرباح على المدى الطويل، خصوصا مع التكاليف الباهظة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. ويشير تقرير لـ"وول ستريت جورنال" إلى أن تكلفة تدريب نموذج ذكاء اصطناعي واحد قد تصل إلى 100 مليون دولار.
- بدأت العديد من المشاريع الوهمية بالظهور. 30 في المئة من شركات الذكاء الاصطناعي لا تستخدم خوارزميات حقيقية بحسب دراسة لجامعة أم. آي. تي "MIT" والتي صدرت عام 2024.
- أخيرًا، يلعب كبار المستثمرين ورجال الأعمال دورًا مهمًا في تعزيز الزخم؛ إذ منح تمويلهم ومشاركتهم الإعلامية بعض الشركات صفة الموثوقية والنجاح، رغم غياب الوضوح في مستقبلها الربحي، ما زاد شعور السوق بأننا أمام موجة استثمارية غير عادية تأخذ مخاطر تضخم التقييمات بعيدًا عن الواقع.
الاستثمارات الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد
شهدت الآونة الأخيرة استثمارات ضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي في
الاقتصاد، وهو ما يعد دليلا واضحا على بدأ تكون تلك الفقاعة. وتتركز معظم تلك
الاستثمارات في تطويرات البنية التحتية، مراكز البيانات والرقائق المتخصصة، وهي
موارد باهظة الثمن قد يكون عمرها الافتراضي محدودًا مقارنةً بالتوقعات الكبيرة
الموضوعة عليها. إذا قارنا سرعة وحجم وقوة انتشار
طفرة الذكاء الاصطناعي الاقتصاد في ال بتلك التي سبقت فقاعة الدوت كوم، فهي تخطها
بمراحل. فحتى خلال أوج طفرة الإنترنت، لم تصل الاستثمارات إلى القدر الذي وصلت
إليه استثمارات الذكاء الاصطناعي. تُظهر بيانات "بلومبرغ" أن أسهم شركات
الذكاء الاصطناعي قفزت بنحو 70% منذ مطلع العام، في حين لم تتجاوز مكاسب الشركات
التكنولوجية الكبرى مثل أبل وأمازون وإنفيديا نحو 20% فقط.
من أبرز تلك الاستثمارات الضخمة الاتي:
· مايكروسوفت: تخطط لإنفاق
نحو 80 مليار دولار خلال 2025
لبناء مراكز بيانات متقدمة من أجل تدريب ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد
سعيها للسيطرة على السوق التقني.
· استثمارات الشركات الكبرى: شركات
مثل ميتا، وألفابت، وأمازون تستعد لتنفيذ إنفاق رأسمالي يفوق 300 مليار دولار خلال نفس
العام، ما يعكس حجم الرهان على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتعزيز
إمكاناته.
· مشاركة أوروبا - فرنسا في السباق: أظهرت فرنسا
التزامًا استثماريًا يبلغ 20 مليار يورو لتشييد مراكز
بيانات للذكاء الاصطناعي، وتمكنت شركة ناشئة مثل Mistral AI الفرنسية
من جذب تمويلات كبيرة في جولاتها الاستثمارية.
· الاستثمارات على المستوى العالمي: جمعت
الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي نحو 73.1 مليار
دولار خلال الربع الأول من عام 2025 فقط، وهو مؤشر واضح على تسارع وتيرة الاستثمار.
· الاستثمارات على المستوى الخاص: بين
عامي 2013 و2024، سجلت الولايات المتحدة استثمارات خاصة في الذكاء الاصطناعي بلغت 470 مليار دولار، بينما وصلت
الاستثمارات الخاصة في الصين إلى حوالي 119 مليار دولار خلال نفس
الفترة.
كيف تُموّل طفرة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد… ولماذا أصبح ذلك خطيرًا؟
- تشير التحليلات الاقتصادية الحديثة إلى
أن معظم شركات التكنولوجيا العملاقة تموّل توسّعها في الذكاء الاصطناعي بالاعتماد
بشكل متزايد على الديون الضخمة، وليس على العوائد التشغيلية. يؤكد المحرر بقسم
الاقتصاد في قناة "العربية" علي حماد أن شركات مثل أوبن إيه آي “OpenAI”
ومايكروسوفت ضخت بالفعل عشرات المليارات من الدولارات في تطوير نماذجها، دون أن
تتمكن حتى الآن من تحقيق أرباح تغطي هذه النفقات. بل إن "أوبن إيه آي"
“Open AI” تخطط لاستثمارات تتجاوز 110
مليارات دولار حتى عام 2029 فقط للوصول
إلى نقطة الربحية، ما يعكس رهانات طويلة المدى تعتمد على مستقبل غير مضمون أكثر من
اعتمادها على نتائج حالية.
ويضيف حماد أن تقارير
"بلومبرغ" تُظهر عدداً من الإشارات التي تدق ناقوس الخطر حول احتمال
تشكّل فقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي. من بين أبرز هذه الإشارات لجوء الشركات إلى الاقتراض
بمستويات غير مسبوقة لتمويل مراكز البيانات وتوسيع قدراتها. فعلى سبيل المثال،
اقترضت شركة ميتا نحو 26 مليار دولار لبناء مركز بيانات ضخم في ولاية لويزيانا
الأمريكية، وهو ما يعكس اعتماد النمو على الديون بطريقة تجعل القطاع أكثر هشاشة في
حال حدوث أي تصحيح في السوق.
اعتماد السوق على شركة "إنفيديا"
وتبرز أيضًا مشكلة الاعتماد المفرط على
شركة "إنفيديا"، التي أصبحت اليوم أكبر شركة في العالم من حيث القيمة
السوقية بحوالي 4 تريليونات دولار. ورغم أرباحها الضخمة، فإن إنفيديا نفسها تُقرض
عملاءها لشراء شرائحها ومنتجاتها، ما يزيد من تعقيد المشهد المالي للسوق. إلى جانب
ذلك، تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة تتعلق باستهلاك الطاقة، إذ تتطلب
مراكز البيانات قدرات كهربائية هائلة، إضافة إلى المنافسة الشرسة بين الشركات، ما
يزيد الضغوط على بنية القطاع.
نقطة التحول الاقتصادية في 2025 وأهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد
ومن جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي
الدكتور عبد الله الشناوي أن عام 2025 يُعد نقطة تحول حاسمة؛ إذ انتهى عصر التوسع
المعتمد على التدفق النقدي، وأصبحت الأصول الضخمة مثل مراكز البيانات تُبنى وفق
"سلسلة سببية جديدة" تقودها وتيرة سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي، وهي
وتيرة تجاوزت قدرة الشركات على التمويل التقليدي.
ارتفاع الاقتراض وتأثيره على الأسواق
ويشير الشناوي إلى أن هذا التحول أدى إلى واحدة من أكبر موجات الاقتراض في تاريخ الشركات، حيث أصدرت شركات التكنولوجيا الأمريكية سندات بقيم ضخمة، من بينها 90 مليار دولار من السندات ذات التصنيف الاستثماري منذ سبتمبر فقط. وقد أعاد هذا الارتفاع القياسي تشكيل أسواق الائتمان، ورفع مستويات المخاطر، كما دفع نسبة الدين إلى حقوق الملكية في بعض الشركات لتصل إلى 500%.
نموذج تمويل عالي المخاطرة لشركات الذكاء الاصطناعي
ويختتم الشناوي توضيحاته قائلاً إن
الذكاء الاصطناعي لم يعد يُموّل من الأرباح التشغيلية، بل أصبح يعتمد على الديون
والطاقة والوقت، ما يحوّل شركات التكنولوجيا إلى كيانات كثيفة رأس المال تشبه إلى
حد كبير شركات المرافق العامة، وهو نموذج اقتصادي عالي المخاطرة في حال تباطؤ
النمو أو تغير الظروف السوقية.
تحذيرات بنك
إنجلترا وأثر الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي
جاء تحذير بنك إنجلترا في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن قدرة طفرة الذكاء الاصطناعي في الاقتصادعلى الاستمرار بالوتيرة الحالية، خصوصًا مع اعتماد توسّع القطاع
على إنفاق ضخم ممول بالديون يصل إلى تريليونات الدولارات. ووفقًا لتقرير
"بلومبرغ"، يرى البنك المركزي أن هذه الوتيرة التصاعدية قد تتحول إلى
هزة مالية إذا ترافقت مع التقييمات المرتفعة جدًا لأسهم الشركات العاملة في الذكاء
الاصطناعي، والتي تُظهر مبالغات واضحة مقارنة بقدرتها الحالية على تحقيق أرباح
مستدامة.
ويحذر البنك المركزي البريطاني أن أي تصحيح مفاجئ أو هبوط حاد في
أسهم كبرى شركات الذكاء الاصطناعي ستكون له تداعيات واسعة على الأسواق، وقد يمتد
تأثيره ليشمل أسواق الدين العالمية بأكملها.
مخاطر التركيز المالي والديون في الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد
ولم يأتِ هذا التحذير منفردًا؛ إذ سبق للبنك المركزي الأوروبي أن
نبّه من تضخم غير مبرر في قيم أسهم الذكاء الاصطناعي، خاصة مع اعتماد العديد من
الصناديق الاستثمارية على أصول منخفضة السيولة. هذا
الوضع قد يجبر تلك الصناديق على البيع الاضطراري عند أي هزة في السوق، ما يؤدي إلى
تراجع حاد ومتسلسل في الأسعار.
وبالنهج ذاته، أعرب بنك إنجلترا عن مخاوفه من التركيز المفرط
للاستثمارات في عدد محدود من الشركات، ما يجعل السوق أكثر هشاشة أمام أي تغيير
مفاجئ في التوقعات. كما تتفاقم المخاطر التنظيمية والتشغيلية المرتبطة بالشركات
الناشئة، خاصة تلك التي استثمرت بكثافة في مراكز البيانات والرقائق المتخصصة؛ إذ
إن أي تباطؤ في الطلب أو تعثر في الأداء قد ينعكس على استقرار السوق بأكمله.
ويؤكد جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في شركة G&K، أن مصدر الخطر الحقيقي
لا يكمن في أسهم الشركات العملاقة نفسها بقدر ما يكمن في فقاعة الدين التي ترافق
تمويل البنية التحتية. كما يشير إلى أن إجمالي ديون الموردين الرئيسيين لشركات مثل
"OpenAI" بلغ
نحو96 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم
المخاطر المتراكمة خلف الكواليس.
ويختتم جلال بأن انهيار هذه الديون قد يمثل سوء تخصيص حاد لرأس
المال، الأمر الذي يمكن أن يخنق الإنفاق الرأسمالي في المستقبل ويحوّل الإمكانات
التحويلية للذكاء الاصطناعي من فرصة اقتصادية إلى أزمة ائتمانية خانقة.
مشاهد سبقت انهيار فقاعة "الدوت كوم": ما الذي يتكرر اليوم؟
وفقا لتقرير "مورغان ستانلي" الذي نشر في أوائل 2025، فإن هناك تشابه جزئي بين الفترتين، إلا أن طفرة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد تتميز بعدة عوامل لم تكن موجودة في طفرة الدوت كوم في عام 2000:
- اللاعبون الأساسيون هي شركات كبيرة: فهذه الطفرة ليست مكونة من شركات ناشئة طموحة، بل هي شركات عملاقة لها وزنها وبنيتها التحتية وقاعدة زبائن كبيرة.
- الصرف يرتكز على أصول حقيقية: مثل شرائح معالجة الذكاء الاصطناعي إلى مجموعات وحدات معالجة الرسوميات ومخازن البيانات السحابية، فالاستثمار اليوم ليس مجرد تسويق، بل بنية تحتية ملموسة قابلة للقياس.
- الإيرادات بدأت بالفعل: العديد من الخدمات المدعمة بالذكاء الاصطناعي بدأت بتحقيق الدخل بالفعل. فالشركات بدأت بشراء أدوات ذكية لتسهيل عملياتها، وزيادة الإنتاجية، وأتمتة الوظائف. وعلى رأسها شركات التكنولوجيا العملاقة.
مع كل ذلك، عدم وجود فقاعة للذكاء الاصطناعي ليس بالمستحيل.
- العائد على الاستثمار لا يزال غير مؤكد: مجرد استخدام شركة للذكاء الاصطناعي لا يعني أنها مربحة. فيؤكد مصرف "غولدمان ساكس" أن الشركات التي أظهرت تأثيرا ملموسا للذكاء الاصطناعي على نتائجها المالية لا تزال قليلة، وهو ما يتطابق مع استطلاع لـ "ماكينزي" أظهر أن أكثر من 80 في المئة من المؤسسات قالت إن الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يؤثر على أرباحها.
- الشركات الصغيرة في خطر: في حين تستطيع الشركات الكبرى تحمّل التجربة، فإن الشركات الأصغر التي تراهن بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي دون عائد واضح قد تتعثر. أن التضخم في تقييم الشركات الناشئة قد يؤدي إلى تصحيح حاد في السوق إذا لم تتحقق التوقعات. كما أن الاعتماد المفرط على عدد قليل من اللاعبين الكبار في السوق، مثل "إنفيديا" التي تهيمن على سوق رقائق الذكاء الاصطناعي، يشكل خطرا على استقرار القطاع.
يخشى الخبراء من احتمال انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد أن تأثيرها
لن يقتصر على قطاع التكنولوجيا فقط، بل قد يمتد ليهزّ الاقتصاد العالمي بأكمله.
فالعديد من الشركات الناشئة حصلت خلال السنوات الأخيرة على تمويلات ضخمة وصلت إلى
مئات الملايين أو حتى مليارات الدولارات، رغم أنها لم تحقق بعد نماذج أعمال مستقرة
أو أرباحًا واضحة. وفي حال انفجرَت الفقاعة، قد تخسر هذه الشركات قيمتها السوقية
بالكامل، ما سيضع المستثمرين أمام خسائر قاسية.
أما أسواق الأسهم العالمية، فقد تواجه اضطرابًا واسعًا نتيجة التركّز
الكبير للاستثمارات في شركات الذكاء الاصطناعي. فحدوث موجة بيع جماعية أو تصحيح
حاد في تقييمات هذه الشركات قد يؤدي إلى تراجع سريع في أسهم القطاع التكنولوجي،
وربما يمتد التأثير إلى مؤشرات السوق الأوسع.
ويمثّل جانب البنية التحتية أحد أهم مصادر القلق؛ فمراكز البيانات
الهائلة والرقائق والخوادم المتطورة التي ضُخّت فيها أموال طائلة قد تتحول إلى
أصول خاملة عديمة العائد إذا تباطأ الطلب أو تعثرت الشركات التي تعتمد عليها. وهذا
يعني خسائر رأسمالية كبيرة قد تتحملها الشركات والمستثمرون على حد سواء.
ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد؛ إذ يمكن أن يؤدي فقدان الثقة وتراجع الاستثمارات المستقبلية إلى تباطؤ اقتصادي واسع. وقد تتأثر الشركات التي بنت نماذج أعمالها على استمرار نمو الذكاء الاصطناعي، ما قد ينعكس على سوق العمل ووتيرة الابتكار. وبذلك تتحول فقاعة الذكاء الاصطناعي – إن انفجرت – إلى أزمة اقتصادية واجتماعية متكاملة التأثير.
الدرس العملي من فقاعة الدوت كوم
لعل أبرز الأمثلة على انهيار شركات الدوت كوم كانت " Webvan" ويبفان، الرائدة
في توصيل البقالة إلى المنازل، فقد بلغ رأس مالها أكثر من 396 مليون دولار، وبلغت
قيمة الشركة في نوفمبر 1999 4.8 مليار دولار. لكنها أعلنت إفلاسها في يونيو 2001. وتُعزى
أسباب فشلها إلى استهداف المستهلكين في السوق بأكمله بدلًا من التركيز على فئة
صغيرة كبداية، واستثمار بليون دولار لبناء المستودعات من الصفر بدلًا من
شراء المستودعات القديمة الموجودة بالفعل.
لا شك أن هذه القرارات الخاطئة ونموذج العمل السيء كانا سببًا
رئيسيًا في فشل Webvan. ومع ذلك، إن الدرس
الحقيقي الذي يمكن أن تستفيد منه فقاعة الذكاء الاصطناعي يرتبط بشكل أساسي
بالقرارات التشغيلية، والتطبيقات الفعلية لـ التكنولوجيا القادرة على تغير العالم.
في 1999، استأجرت " Webvan" ويبفان ميك مونتز لدراسة العمليات التشغيلية في أول مستودع لهم في أوكلاند،
كاليفورنيا. وكانت مهمته معرفة سبب كون تكلفة تلبية الطلبات تطغى على أي هامش ربح.
من خلال التركيز على عملية الانتقاء والتعبئة، اكتشف مونتز أن " Webvan" ويبفان كانت تخسر
في طلباتها: كل 30 طلب كان يكلف الشركة 30 دولارا. ما يعني انهم ينفقون دولارًا
لوضع علبة حساء واحدة مثلا في الصندوق وتوصيله، وفي النهاية يربحون منها 89 سنتًا
فقط.
بعد أن حدد نقطة الضعف الأساسية التي أدت إلى انهيار " Webvan" ويبفان أستنتج
مونتز شيئا أوسع: أي عمل جديد في اقتصاد جديد (مدفوع بالإنترنت أو بالذكاء
الاصطناعي) يتطلب طرقًا جديدة للقيام بالأشياء. فـ" Webvan" ويبفان لم تنشئ مستودعات من الصفر فحسب، بل اتبعت الممارسات التقليدية
للمستودعات، واعتمدت طرقا مكلفة للقيام بالأمور بدلًا من ابتكار أخرى جديدة.
وهذا بالضبط ما فعله مونتز عندما أسس شركة كيفا
"Kiva Systems" في 2002. بدلاً من جعل العاملين ينتقلون
من مكان لآخر في المستودع لتجميع الطلبات، طرح مونتز فكرة جديدة كليا: “ماذا لو
جاءت المنتجات إليهم مباشرة؟” يذكر مونتز: “قمنا بتغيير المستودع بالكامل باستخدام
الروبوتات المتنقلة وبعض الأرفف المتحركة لوضع المنتجات عليها.” وقد اشترت أمازون كيفا "Kiva Systems" في 2012 بمبلغ 775 مليون دولار.
فأصبحت بذرة أحد أكبر الشركات التي غيرت شكل التبضع في العالم.
يعتقد مونتز إن شركات الذكاء الاصطناعي التي ستنجح وتستمر بعد انهيار
فقاعة الذكاء الاصطناعي القادمة، إن حدثت، هي تلك التي ستبتكر طرقًا جديدة، وتوجد
عالما يعمل فيه البشر مع الذكاء الاصطناعي ليصبحوا أكثر إنتاجية وإبداعًا وكفاءة.
في التسعينيات، نصح خبير “إعادة الهندسة” مايكل هامر الشركات قائلاً:
“لا تُؤتمت، بل قم بإلغاء مالا ضرورة له.” بناء على ذلك شعار شركات الذكاء
الاصطناعي اليوم يجب ان يكون: “لا تؤتمت، ولكن ابتكر باستخدام الذكاء الاصطناعي.”
هل توجد فرص أو حلول لتجنب الأزمة؟
يرى بعض المحللين أن فقاعة الذكاء الاصطناعي جزئية فقط، تشمل جزء
معين من السوق وليس السوق بأكمله. ما يعني إنه إن حدث وانفجرت، ستنهار بعض الشركات
بينما تنجو أخرى. وسيبقى هنالك بنى تحتية ناجحة تستفيد من الاستثمار الحالي.
إن الاستثمار في البنية التحتية مثل مراكز البيانات والرقائق
والخوادم، حتى لو فشلت بعض الشركات فيه، سيترك إرثًا تقنيًا يستفيد منه الاقتصاد
الرقمي في المستقبل. فلا شك انه رغم الخسارة الضخمة التي خلفتها فقاعة الإنترنت، البنية
التحتية التي تركتها مهدت للإنترنت الذي نعرفه اليوم. فكما نجى الإنترنت من انفجار
الفقاعة مسبقًا، مخلفا شركات ضخمة رائدة مثل أمازون التي غيرت العالم، الذكاء
الاصطناعي سيستمر في التطور، وربما قد يخلف أمازون جديدة. لكن ما سيحدث هو بقاء
المبتكرين الحقيقين واختفاء الباقيين. وهذا يشمل الشركات التي بالغت في تصوير
الذكاء الاصطناعي. فهل سيعيد التاريخ نفسه وينهار الحلم مجددا، أم أننا سنشهد
مرحلة تمهد لابتكارات جديدة ستغير العالم؟



